ابن عربي

94

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

أخبر عن أوان زمان الشباب الذي أشار إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند نزول المطر ، فكشف رأسه عليه الصلاة والسلام حتى أصابه المطر ، فقال عليه الصلاة والسلام : « إنه حديث عهد بربه » « 1 » فلهذا أشار بعصر الصّبا ، وفيه أيضا من اشتقاق الصّبا من الصبابة وهي الميل ، فكأن هذه الريح تخبر عن أوان الميل بالأعطاف الإلهية . قال : ووقع أخبار هذه الريح في مقامات مختلفة منها مقام الحرمة ، ومقام تمييز الأشياء بحقائقها بعضها عن بعض فكنّى عنه بحاجر من التحجير ، ومنها مقام التمني مع وجود الطهارة والزكاة فكنّى عنه بمنى ، ومنها مقام الراحة والتجريد فكنى عنه بقبا ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يزورها في كل سبت ، والسبت حلق الرأس ففيه مقام التجريد ، ثم قال : أو بالنّقا فالمنحنى عند الحمى * أو لعلع حيث مراتع الظّبى يقول : أيضا أو بالنقا ، يشير إلى الكثيب الذي تقع فيه الرؤية ، وقوله : فالمنحنى ما يكون من الشفقة الإلهية ، والعطف من باب الرحمة بالكون لبقاء العين عند ظهور العين التي هي الحمى ، فلا تنال مع كونها تشهد ، وقوله : أو لعلع من التولع ، يشير إلى حالة عشقية حيث مراتع الظبي لتشبيه أهل الحسن والجمال بها ، أو لأنها محل الأعراف الطيبة النشر لكون الظبي تحمل المسك في نوافجه « 2 » فتأكل الطيّب وتطرح الطّيب . لا عجب ، لا عجب ، لا عجبا * من عربيّ يتهاوى العربا يفنى ، إذا ما صدحت قمرية * بذكر من يهواه فيه طربا « 3 » يقول : لا تعجبوا من شيء يحنّ إلى أصله ويشتاق إليه ، وقوله : يفنى إذا ما صدحت قمرية كنّى بالقمرية عن نفس عارف مثله قد فوهت بأمر علوي أشاقه إلى ما جاء عنه ، وقد أشار إلى هذه القمرية بعض العقلاء بقوله : هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تعزّز وتمنع وكان الصدح من هذه الحمامة بلسان الأنس والجمال فكان فناؤه طربا لحسن السماع بذكر من يهواه .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 267 ) ، والحاكم في ( المستدرك 4 / 285 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 4 / 424 ) ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 6 / 292 ) ، وصاحب ( أخلاق النبوة 260 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 8 / 555 ) ، وعلي الغفار في ( مختصر العلو تحقيق الألباني 93 ) ، وصاحب ( ميزان الاعتدال 1505 ) . ( 2 ) النوافج : ( ج ) النافجة : وعاء المسك في جسم الظبي . ( 3 ) القمرية : أنثى القمري : ضرب من الحمام مطوق ، وحسن الصوت ( ج ) قمر .